محمد بن عمر التونسي
مقدمة 14
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
فهو تونسى الأب والجد ، مصرى الأم والتربية ؛ أفادته عروبته في الوصول إلى دارفور ، موطن كثير من القبائل العربية التي تربطه وإياها رابطة الأصل واللغة والدين ، وتربطه بأهلها من السودان - ومعظمهم وقتذاك من المسلمين - العروة الاسلامية الوثقى . صحيح أن محمد بن عمر التونسي لم يذهب إلى دارفور حبا في الاستطاع أو الدراسة أو الكشف الجغرافي ، ولكنه ذهب للحاق بأبيه عمر التونسي الذي رحل قبله إلى سنار ثم إلى دارفور / ومن قبل رحل جده سليمان إلى سنار . وأفاد محمد بن عمر التونسي في الالمام بأحوال البلاد السياسية والاجتماعية والتاريخية ، علاقة أبيه وجده من قبل بهذه البلاد التي صاهرا أهلها ، وأضحى لمحمد بن عمر التونسي فيها اخوة وأعمام / . وقد اشتغل هؤلاء جميعا بالعلم والتجارة ، وتنقلوا بين تونس ومصر والحجاز وسنار ودارفور وواداى . وصارت لهم مصالح تجارية واسعة ومراكز سياسية مرموقة ، ومكانة دينية عظيمة عند ملوكها وفقائها . ومما لا شك فيه أن خبرة هؤلاء جميعا تضيف كثيرا إلى ما اكتسبه محمد بن عمر التونسي من خبرة بأحوال هذه البلاد خلال اقامته بها . ومما يسر للتونسى التعرف على نواحي الحياة في البلاد ، سهولة التخاطب مع كافة الطبقات باللغة العربية ، التي لا يجهلها سوى القليل من أهل دارفور . وأتيح للتونسى - بما ناله أبوه عمر من مكانة لدى السلطان ، والأمراء والوزراء والفقهاء - أن يكون من ذوى الحظوة لديهم جميعا . فحضر مجالس السلطان ، ووقف على كثير من أسرار السياسة ، وتقاليد البلاط ، ونظم الحكم والإدارة والقضاء ، وشهد بعض الحوادث السياسية والحربية الهامة . وأتيح للتونسى أن يتجول في كل أنحاء دارفور في حرية تامة ، وأن يمر بمدنها وقراها وأسواقها ، وأن يدخل المناطق الجبلية الوعرة ، التي لا يسمح لأحد بالدخول فيها الا باذن من السلطان ، وهي المناطق التي يسكنها « أعجام الفور » على حد قول التونسي . ولذا تتميز كتابات التونسي عما شهد في هذه البلاد - رغم